مفاوضات جنيف بين واشنطن وطهران… اختبار أخير قبل حافة المواجهة
تتجه الأنظار إلى جنيف حيث تعقد جولة جديدة من المفاوضات الأميركية-الإيرانية في محاولة لإعادة فتح قنوات التفاهم حول الملف النووي، في ظل توتر إقليمي متصاعد ومخاوف دولية من انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة.
هذه المباحثات تأتي بعد أشهر من التصعيد السياسي والعسكري غير المباشر بين الطرفين، شمل عقوبات اقتصادية إضافية، وعمليات أمنية متبادلة، وارتفاعاً في مستوى الاستعداد العسكري في المنطقة. لذلك لا تُعد مفاوضات جنيف مجرد حوار دبلوماسي تقليدي، بل محاولة لاحتواء أزمة باتت أقرب إلى الانفجار من أي وقت مضى.
عقدة البرنامج النووي
الولايات المتحدة تسعى إلى تقييد برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني بشكل صارم، وفرض رقابة موسعة على المنشآت النووية، إضافة إلى مناقشة برنامج الصواريخ الباليستية ونفوذ طهران الإقليمي.
في المقابل، ترفض إيران أي شروط تتجاوز الملف النووي، وتطالب برفع فعلي للعقوبات الاقتصادية وضمانات بعدم انسحاب واشنطن مجدداً من أي اتفاق مستقبلي، كما حدث عام 2018.
هذا التباين يجعل المفاوضات معقدة؛ فكل طرف يرى التنازل تهديداً لأمنه الاستراتيجي: واشنطن تخشى اقتراب إيران من «عتبة نووية»، وطهران تعتبر القيود الواسعة محاولة لتجريدها من عناصر الردع.
ضغط الميدان على الطاولة
ما يميز هذه الجولة أن التفاوض يجري تحت ضغط عسكري واضح. فالتوتر في الخليج، والهجمات غير المباشرة عبر حلفاء إقليميين، والتحركات البحرية المتبادلة، كلها عوامل تجعل أي فشل تفاوضي قابلاً للتحول سريعاً إلى مواجهة محدودة قد تتوسع.
كما أن إسرائيل تراقب المباحثات عن كثب، وتلوّح بإمكانية التحرك منفردة إذا رأت أن الاتفاق لا يمنع إيران من تطوير قدراتها النووية، ما يزيد من حساسية المفاوضات ويضع واشنطن أمام معادلة صعبة بين الدبلوماسية والردع.
حسابات الداخل
القرار لا يتوقف على السياسة الخارجية فقط؛ فداخل الولايات المتحدة، يواجه أي اتفاق محتمل معارضة سياسية تتهم الإدارة بتقديم تنازلات، بينما في إيران تخشى القيادة أن يُفسر أي تراجع على أنه رضوخ للضغوط. لذلك يسعى الطرفان إلى اتفاق يحقق مكاسب ملموسة دون الظهور بمظهر المتراجع.
سيناريوهات محتملة
اتفاق مرحلي: تجميد جزئي للتخصيب مقابل تخفيف محدود للعقوبات، وهو السيناريو الأكثر واقعية.
استمرار التفاوض دون اتفاق: تهدئة مؤقتة لكن مع بقاء خطر التصعيد.
فشل كامل: عودة العقوبات القصوى واحتمال ضربات عسكرية محدودة قد تتوسع إقليمياً.
هل تُبعد الحرب؟
نجاح مفاوضات جنيف لن ينهي الصراع الأميركي-الإيراني، لكنه قد يؤجل المواجهة ويخفض احتمالاتها. أما فشلها فسيجعل الخيار العسكري أكثر حضوراً، ليس بالضرورة حرباً شاملة، بل سلسلة ضربات وردود قد تخرج عن السيطرة.
في النهاية، تبدو جنيف أقرب إلى «إدارة أزمة» لا إلى حلها؛ فالاتفاق إن حصل سيشتري الوقت، لكن السلام الدائم سيبقى مرهوناً بتسوية أوسع تتجاوز النووي إلى توازن إقليمي جديد لم تتضح ملامحه بعد.
هيئة التحرير