سباق النرجس
قبل أيام سألني أحد الأصدقاء ، عن تخميني لاحتمالية هجوم أمريكي على إيران ، فقلت له من وجهة نظري أن الاحتمال قائم بين الحرب و السلم بنسبة متساوية تقريبا ، و لكن ( و غالبا ما تغير هذه ال لكن كثيرا من الأحداث) ، و لكن نرجسية الرئيس الأمريكي و سباقه الذاتي لبناء صورة العظمة لديه و بناء مجد يخلد ذكره ، يدفعني لزيادة احتمال الحرب بنسبة خمسة بالمائة أكثر لتصبح ٥٥٪ لاحتمال الحرب مقابل ٤٥٪ لاحتمال الحل الدبلوماسي ، و لكني في الحقيقة سهوت حينها عن نسبة اضافية تأتي من طرف نتنياهو ، فهو الآخر يبحث عن مهرب إلى الأمام من واقعه الحالي ، فهو عرضة للتقديم إلى القضاء اذا خسر موقعه السياسي كرئيس وزراء ، و هذا الاحتمال كبير اذا تذكرنا كم سبب لإسرائيل من خسارة في الرأي العالمي نتيجة حربه على غزة ، فهرب يومها إلى الأمام باغتيال قيادات حزب الله في لبنان و سوريا ليصنع نصرا مقابل تلك الهزيمة المدوية في غزة.
و بالتالي كان علي أن أرفع من نسبة احتمالية الحرب على إيران خمسة في المائة اضافة الى ما سبق لتصبح النسب ٦٠٪ لكفة الحرب مقابل ٤٠٪ لجهة الحل الدبلوماسي .
على الطرف الآخر لا تقل كمية النرجسية الشرقية عند القيادة الإيرانية عما هو عليه الحال عند الطرف الغربي ، فهم يعتقدون أنهم مكلفون من الله بتمهيد الطريق لظهور الإمام الغائب الذي دخل سردابا و أقفل عليه الباب قبل حوالي الف و مائتي عام ، و أخبر أتباعه أنه لن يخرج حتى يقوموا بترتيب الأوضاع المناسبة لخروجه بتصفية المنطقة من النواصب المجرمين الذين قتلوا الحسين عليه السلام ، و عندها سيفتح الباب من جديد و يخرج ليقيم العدل و ينشر رسالته الخالدة في العالم .
لذلك نجد أن الأطراف المتجاذبة في التهديدات و المفاوضات كلها أطراف نرجسية ، تظن أنها فوق المستوى البشري العادي ، و يجب عليهم أن يخلدوا ذكراهم بأفعال و انتصارات ليس لها مثيل …
و لكن هل هذه الأطراف الثلاثة هي الوحيدة على الساحة الدولية النرجسية ؟؟
لو ذهبنا شمالا إلى الإتحاد الروسي ، لوجدنا السيد بوتين الذي يعتقد أنه حامي روسيا و الشرق الأرثوذكسي من الذوبان في عالم الغرب الكاثوليكي الرأسمالي ، و قد دخل فعليا في حرب طويلة المدى مع الغرب الذي تحارب بالوكالة البشرية عنه أكرانيا ، و لو توجهنا إلى الشرق البعيد ، سنجد هناك الرئيس الصيني شي جينغ بينغ الذي يجد في نفسه و يحق له أن يقول ذلك : يشعر أنه باني نهضة الصين الجديدة لتقوم إلى مصاف العالمية و خصوصا في مجال الصناعة. و الاقتصاد، و هذا الشعور دفعه لتغيير الدستور الصيني عام ٢٠٢٣ ليتمكن من الحصول على دورة رئاسية ثالثة ، و نتذكر كيف أخرج الرئيس السابق له أخرج من قاعة الاجتماعات بمهانة شديدة ، لما اعترض على تغيير الدستور .
و في الهند و هي حاليا اكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان بعد أن تجاوزت الصين بقليل ، يوجد رئيس الوزراء ناريندا مودي الذي يحلم بالعظمة من خلال تصفية المسلمين في الهند .
لن اكمل استعراض النرجسيين الأقزام فلن يكون لهم أي تأثير عالمي ، فجل تأثيراتهم في بلدانهم و قمع شعوبهم ، ما عدا رئيس كوريا الشمالية بعد تملكها للسلاح النووي، اذ قد يكون له دور في التفكير بضم كوريا الجنوبية و قد يكون ذلك برضا و تأييد صيني لمافيه من تقوية لموقف الصين التي تشارك كوريا في كثير من المعتقدات الدينية و السياسية .
و لو أعدنا النظر في الدول التي ذكرتها سنجد أن لكل منها هدفا تنشده في تحقيق نصر على جار قريب أو بعيد ، فروسيا ماتزال مستمرة في حربها مع أوكرانيا و من وراء أوكرانيا اوروبا الغربية كلها او بشكل أوضح حلف شمال الأطلسي ، و الصين تريد استعادة جزيرة فرموزا المسماة حاليا بالصين الوطنية او تايوان ، و هذا يحتاج الى تجاوز المخاطر من تحرك اليابان للدفاع عن تايوان ، و الهند تريد ازاحة الباكستان من قائمة الدول النووية ، و ان تدفع كل المسلمين فيها للرحيل الى باكستان او بنغلادش و خصوصا مسلمي كشمير .
اذن نحن أمام عدد من النرجسيين الذين يبحثون عن المجد او العظمة او الخلود ، و هذا كله يقود إلى الحروب و ويلاتها منذ بداية التاريخ إلى يومنا هذا، فالاسكندر المكدوني دفعته أمه التي أرادته أعظم الناس في التاريخ ليقوم بغزو معظم مناطق العالم في زمنه ، تبعه في ذلك كثير من القياصرة او الاباطرة الرومان، و ليس جنكيز خان بعيدا عن صورة صناع المجد و الخلود ، هذا اذا حاولنا تجاوز الحديث عن نابليون بونابرت و هتلر …
في سابق الزمان كان زعيم نرجسي واحد كفيلا بقيام حرب عالمية طويلة المدى ، فكيف حالنا و النرجس اليوم موزع على أطراف الكرة الأرضية .
أنكون شهودا على أعتاب سباق النرجس في هذا العالم ، أم أن العقل سيكبح هذه النرجسية و يتجه إلى بر السلام ؟؟؟
بقلم: بلال داود - ٢٧/٢/٢٠٢٦
هيئة التحرير